السيد الطباطبائي
147
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
والأخبار فيه كثيرة . وأمّا ما يدلّ على وجود العالمين المتوسّطين - أعني عالم التجرّد التامّ ، وعالم المثال - فأشياء كثيرة من الكتاب والسنّة ، غير أنّ مورد كثير منها العود - أعني أخبار البرزخ وما بعده - وهي من شواهد ما قصدنا إثباته باعتبار تطابق المبدأ والمعاد . وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » تدلّ بعمومها على أنّ لجميع موجودات عالمنا هذا وجودات مخزونة عنده تعالى ذات سعة غير محدودة ، ولا مقدرة ، إذ ظاهرها أنّ التقدير إنّما يحدث مع التنزيل ، وليس التنزيل بالتجافي وتخلية المحلّ بالنزول ، لقوله تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 2 » ، وهذه الآية إذا ضمّت إلى قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 3 » ، وقوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 4 » أفادت أنّ ما عند اللّه وجه له سبحانه ، ثمّ قوله تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ « 5 » تفيد أنّ للّه سبحانه في كلّ شيء وجها . وبعبارة أخرى : أنّ في كلّ شيء وجها إلهيّا ووجها كونيّا خلقيا ، وهذا الوجه حيث إنّه بمقدار فهو محدود مثالي ، وقد أفاد قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وجها آخر غير محدود ولا مقدّر . فتبيّن أنّ لعالمنا هذا وجها إلهيّا مقداريّا باقيا قبله ، وهو عالم المثال ، ووجها مجرّدا عن المقادر باقيا ، وهو عالم العقل والتجرّد .
--> ( 1 ) الحجر 15 : 21 . ( 2 ) النحل 16 : 96 . ( 3 ) القصص 28 : 88 . ( 4 ) الرحمن 55 : 26 و 27 . ( 5 ) الرعد 13 : 8 .